| الخوارج الوجه الآخر
الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد؛ وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد :
فإن الأمة لما خالفت سبيل نبيها محمد r تمزقت أشلاءً؛ وتفرقت أحزاباً وفرقاً وطوائف متعددة؛ كل حزب بما لديهم فرحون.
وعلى افتراق الطوائف التي خرجت في هذه الأمة؛ وخالفت السبيل القويم؛ فإن الأمة الإسلامية لم تُبتل بطائفة كما ابتليت بطائفة الخوارج.
تلك الطائفة التي خرجت على جماعة المسلمين وإمامهم؛ وكان انتشارها وقوتها في زمن علي t؛وإن كان أصل خروجها ونشأتها قد حصل في زمن النبي r.
فما ابتليت أمة الإسلام بطائفة وفتنة؛ كما ابتليت بهذه الطائفة التي ابتعدت عن العلم؛ وتاهت في ظلمات الجهل؛ وتركت سبيل السنة وطريقة العلماء الربانيين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- تعليقا على قول النبي r في الخوارج: « شر قتلى تحت أديم السماء خير قتيل من قتلوه »-: أي إنهم شر على المسلمين من غيرهم فإنهم لم يكن أحد شراً على المسلمين منهم؛ لا اليهود ولا النصارى؛ فإنهم كانوا مجتهدين في قتل كل مسلم لم يوافقهم؛ مستحلين لدماء المسلمين وأموالهم وقتل أولادهم؛ مكفرين لهم؛ وكانوا متدينين بذلك- أي يرون ذلك ديناً- لعظم جهلهم وبدعتهم المضلة.
فهذا حال الخوارج الذين خرجوا على جماعة المسلمين؛ وهذا شيء من أوصافهم العديدة المتعددة.
وأصل هؤلاء الخوارج كان موجودا في زمن النبي r ؛ حيث إنه قد جاءته الغنائم في غزوة حنين فقسمها r ؛ وقد فضل أناساً من أمراء القبائل في الأعطيات من أجل مصلحة عظيمة رآها r وهي تأليفهم على الإسلام، فجاءه رجل ناتئ الجبهة؛ عريض الوجنتين؛ فقال له :« يا محمد اعدل فإنك لم تعدل ».
يقول: اعدل؛ ويقول: يا محمد؛ لأنه رأى في نفسه أنه بلغ في العلم والتقى مبلغها حتى قال: اعدل يا محمد؛ وفي لفظ قال: « إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله »-كبرٌ وتعالم- فقال النبي r: « ألا تأمنوني وأنـا أمين من في السماء.؟!».
وقال r : « فمن يعدل إن لم أعدل؟؛خبتَ وخسرتَ إن لم أعدل»؛ فقال عمرt : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال : دعه؛ فلما ولى مدبراً قال r :« إن من ضئضىء هذا؛ قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم؛ يقتلون أهل الإسلام؛ ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ».
إن من ضئضىء هذا : يعني أصله؛ أي : إن هذا الأصل وسيأتي له فروع.
يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم: أي:يقرؤونه من غير فقه؛ فيصل إلى هاهنا ويقف؛ وقيل: معناه لا ترتفع أجورُهم إلى السماء.
يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية: كما يأتي السهم فيضرب الطائر من مكان فيخرج من مكان آخر؛ لا يأخذ من دمه ولا من ريشه شيئاً؛ وهذا دليل على قلة نصيبهم من الإسلام.
لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد : أي: قتلاً مستأصلاً كما قال الله I :( فهل ترى لهم من باقية ) .
وفي زمن عثمان t اجتمعوا من بلاد عديدة؛ وجاءوا قافلين حتى بلغوا المدينة، وخرجوا عليه؛ وقتلوهt والمصحف في يده، وركب خارجي على صدره؛ وطعنه بتسع طعنات؛ ثم قال: أما ثلاث فهي لله، وأما ستٌّ فلشيءٍ في نفسي عليه.
وهذا دليل على أنهم كانوا يريدون الدنيا.
ثم خرجوا في وقت علي t؛ وكان خروج قادتهم للدنيا؛ وذلك أن الأشتر -وهو من الخوارج- كان يطمع أن يجعله عليٌّ أميراً على البصرة ؛ فجعل عليها عبد الله بن عباس ب؛ وعند ذلك خرجوا عن طاعته؛ وذهبوا إلى منطقة يقال لها حروراء-وهي بجانب الكوفة- واعتزلوا الناس؛ وبدأوا بالكلام وإثارة الناس على عليٍّ t باسم الدين ورفعِ شعار الورع والتنسك؛فقال لهم عليٌّ t: لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله؛ ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا؛ ولا نبدؤكم بقتال .
ثم مالوا إلى عبد الله بن خباب بن الأرت ابن صاحب رسول الله r ؛ وكان أميراً لعلي t؛ فجاءوا إليه وقتلوه وشقوا بطنَ أمِّ ولده؛عنفاً وقسوة في القتل؛ يقتلون مسلماً موحداً لأنه لم يكن سائرا على طريقتهم.
وهذا لِيُعلم أن النبي r لا ينطق عن الهوى حيث قال فيهم: يقتلون أهل الإسلام؛ ويدعون أهل الأوثان .
وقد حث النبي r على قتال الخوارج فقال :« سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان؛ سفهاء الأحلام؛ يقولون من خير قول البرية؛ يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة ».
أحداث الأسنان : أي أنهم شباب صغار يتحمسون في مجلس؛ ويملؤهم رجل في كلام تهييجي؛ ثم يدفعهم لأعمال التخريب.
سفهاء الأحلام : أي أن عقولهم صغيرة.
يقولون من خير قول البرية: أي أنهم إذا تكلموا؛ قلت: ليس هناك أبلغ من فلان؛ فإنهم أوتوا جدلاً ولحناً ؛(ولتعرفنهم في لحن القول) .
يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم: أي:يقرؤونه من غير فقه ولا إدراك.
كما أنهr قد وصفهم بوصف شديد؛ وسماهم شرَّ الخلق والخليقة؛ فقال:« إن بعدي من أمتي قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم؛ يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرميَّة؛ ثم لا يعودون فيه؛ هم شر الخلق والخليقة ».
وخرجت خارجة من هؤلاء في الشام فقُتلوا وأُلقوا في بئر، فجاء أبو أمامةt صاحبُ رسول الله r حتى وقف عليهم؛ ثم بكى وقال :« سبحان الله ما فعل الشيطان بهذه الأمة؛ كلاب النار؛ كلاب النار؛ كلاب النار؛ شر قتلى تحت ظل السماء؛ خير قتلى تحت ظل السماء من قتلوه. قيل: يا أبا أمامة: أشيءٌ تقوله برأيك؛ أم شيءٌ سمعته من رسول الله r ؟
قال:إني إذا لجريء، بل سمعته من رسول الله r غير مرة؛ ولا مرتين؛ ولا ثلاثاً؛ حتى عد سبعاً ».
فوَصَفَهم النبي r بأنهم شر قتلى تحت أديم السماء؛ وسماهم كلابَ النار.
ووصْفُهُم بالكلاب؛ ذلك لأن الكلب لا يزال ينبح ويستهيج الناس حتى يدلَ
العدوَّ على قومه؛ أو لأنهم لا يزالون تقتيلاً في المسلمين وتكفيراً؛ كمثل الكلب إذا جاع فإنه يرجع إلى ذنبه فيأكلَه.
وقد أكرم الله Iعلياً t بقتالهم؛ فأخبره النبي r أنه يقاتلهم وأن آية ذلك أن فيهم رجلاً يده مقطوعة؛ وأن يده في مؤخرتها قطعةُ لحمٍ كحلمة الثدي، فقاتل علي t هؤلاء الخوارج؛ ثم بعد أن انتهى من قتالهم بعث من يبحث له عن هذه الصفة، فبحثوا فلم يجدوا شيئا؛ فرجعوا إلى علي وأخبروه فقال: ارجعوا؛ فوالله ما كذبْتُ وما كُذّبت-مرتين أو ثلاثا- فبحثوا حتى وجدوا ذلك الرجل على الصفة التي ذكرها له النبي r، فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ وعند ذلك سُرّ أصحابه لِما رأوا من تصديق الخبر؛ وذلك أن بعضهم لما رأى اجتهادَ الخوارجِ في العبادة والصلاة وطول القيام؛ أخذته ريبة من أمرهم؛ كما حدث ذلك مع جندب tوقد كان مع جيش عليt.
يقول جندب t: لما كان يومُ قاتل عليٌّ t الخوارج ؛ نظرتُ إلى وجوههم والى شمائلهم فشككت في قتالهم؛( أي أنه لما رأى الناس يصلون ويبيتون قائمين يطيلون القيام استراب في أمرهم)، يقول t: فشككت في قتالهم فتنحيت عن العسكر؛ فنزلت عن دابتي وركزت درعي تحتي وعلقت ترسي ستراً من الشمس؛ وأنا معتزل العسكر ناحية؛ إذ طلع أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالبt على بغلة رسول الله r؛ فقلت في نفسي: مالي وماله؛ أنا أفر منه وهو يجيء إلىّ؟-يعني:أنه يودّ اعتزالَ هذا القتال-فقال لي: يا جندب مالَك في هذا المكان تنحيت عن العسكر؟ فقلت يا أمير المؤمنين: أصابني وعك فشق عليَّ الغبار فلم أستطع الوقوف، فقال:أما بلغك ما للعبد في غبار العسكر من الأجر؟؛ ثم ثنى رجله فنزل؛ فأخذت برأس دابته؛ وقعد فقعدتُ؛ فأخذتُ الترسَ بيدي فسترته من الشمس، فو الله إني لقاعد؛ إذ جاء فارس يركض فقال: يا أمير المؤمنين إن القوم قد قطعوا الجسر ذاهبين؛ فالتفت إليّ وقال: إن مصارعهم دون النهر- لأن الذي اخبره بذلك هو الذي لا ينطق عن الهوى محمد r- ؛ وإن الذي أجده عنده واقف - يعني لا زال الرجل واقفا عنده-؛ إذ جاءه رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين والله قد ابتعدوا فما بقي منهم أحد؛ قال: ويحك إن مصارعهم دون النهر، فجاء فارس يركض؛ فقال:يا أمير المؤمنين والذي بعث نبيه محمداً r لقد رجعوا؛ ثم جاء الناس فقالوا:قد رجعوا حتى إنهم ليتساقطون في الماء.
(تأمل حماسهم إلى قتل أصحاب النبي r حتى إنهم ليتساقطون في الماء زحاماً على العبور؛ لأن الجسر كان فوق النهر)؛ ثم إن رجلاً جاء فقال: يا أمير المؤمنين إن القوم قد صفوا الصفوف؛ ورموا فينا؛ وقد جرحوا فلاناً ؛ فقال علي t: هذا حين طاب القتال، فوثب فقعد على بغلته؛ وقمت إلى سلاحي فلبسته ثم شددته عليّ؛ ثم قعدت على فرسي؛ وأخذت رمحي ثم خرجت؛ فوالله ما صليت الظهر -أو قال العصر- حتى قتلت بيدي سبعين.
فها هو t قد استراب في أمرهم لما رأى عبادتهم، لكن لمّا رأى حماسهم لقتل المسلمين؛ بل أخيارِ الناس بعد الأنبياء أصحابِ محمد r تيقن الخبر؛ لا سيما وقد سمع من علي t أنه يحدد مصارعهم.
وقد هزمهم الله Uشر هزيمة على يد عليt، ولذلك قال الآجرّي:"فلا ينبغي لمن رأى اجتهاد خارجي قد خرج على إمام عدلاً كان أو جائراً؛ فخرج وجمع جماعة؛ وسل سيفه واستحل قتال المسلمين؛ فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن؛ ولا بطول قيامه في الصلاة؛ ولا بمداومة الصيام؛ ولا بحسن ألفاظه في العلم؛ إذا كان مذهبُه مذهبَ الخوارج".
ولا يظن مسلم أن بدعة الخوارج قد انتهت؛ بل إن بدعتهم باقيةٌ إلى أن يخرج قوم منهم في الدجال؛ كما بين ذلك النبيr؛ ولكن الذي حصل أن الأزياء تغيرت؛ والألسن تبدلت؛ ولذلك التبس أمرهم على كثير من المسلمين، فعن عبد الله بن عمر t قال: قال رسول الله r : « ينشأ نشأٌ يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم كلما خرج قرن قطع»؛ قال ابن عمرt : سمعت رسول الله r يقول: « كلما خرج قرن قطع؛ أكثر من عشرين مرة، حتى يخرج في عراضهم الدجال ».
فقولهr : كلما خرج قرن قطع؛ دليل على أن الخوارج لن تقوم لهم قائمة أبداً. ومعنى قوله حتى يخرج في عراضهم الدجال: يعني حتى يخرج في خداعهم الدجال.
فبدعة الخوارج باقية ولا زالت تعيش بين صفوفنا؛ ولكن أُلبست على كثير من الناس؛ لأن أصحابها في هذا الزمن تغيرت أزياؤهم؛ وتبدلت ملابسهم؛ وتلونت وجوههم؛ فباتوا يظهرون في كل وجه.
ومن تأمل السنة وخبر أعمالهم مع أصحاب النبي الصفحات [1] [ 2] |